جلال الدين السيوطي

13

الأشباه والنظائر في النحو

ومنها : أنّ النحويين لم يريدوا بقولهم : إنّ الحال فضلة في الكلام أنّ الحال مستغنى عنها في كلّ موضع على ما يتوهّم من لا دربة له بهذه الصناعة ، وإنّما معنى ذلك أنّها تأتي على وجهين : إمّا أن يكون اعتماد الكلام على سواها والفائدة منعقدة بغيرها ، وإمّا أن تقترن بكلام تقع الفائدة بهما معا ولا تقع الفائدة بها مجرّدة ، وإنما كان ذلك لأنّها لا ترفع ولا يسند إليها حدث واعتماد كل جملة مفيدة إنما هو على الاسم المرفوع الذي أسند إليه الحدث أو ما هو في تأويل المرفوع ، ولا تنعقد فائدة بشيء من المنصوبات والمجرورات حتى يكون معها مرفوع أو ما هو في تأويل المرفوع ، كقولنا : ما جاءني من أحد ، وإنّ زيدا قائم ، فتأمّل هذا الموضع فإنّه يكشف عنك الحيرة في أمر الحال وفيه لطف وغموض . وأمّا القيام الذي وصف اللّه تعالى به نفسه في هذه الآية فليس يراد به المثول والانتساب لأن هذا من صفة الأجسام تعالى اللّه عن ذلك ، وإنما المراد بالقيام هاهنا القيام بالأمور والمحافظة عليها ، يقال : فلان يقوم بأمر فلان أي : يعنى به ويهتبل بشأنه ، ومنه قوله تعالى : الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ [ النساء : 34 ] ، أي : متكلّفون بأمورهنّ ومعنيّون بشؤونهنّ ، ومنه قول الأعشى : [ المتقارب ] « 579 » - يقوم على الوغم في قومه * فيعفو إذا شاء أو ينتقم الكلام في قولنا : يا حليما لا يعجل سألت وفّقك اللّه عن قولنا في الدعاء : يا حليما لا يعجل ويا جوادا لا يبخل ويا عالما لا يجهل ، ونحو ذلك من صفات اللّه تعالى ، وقلت : كيف يصحّ أن يقال في مثل هذا : منادى منكور والقصد به إلى اللّه تعالى ؟ وإن كان معرفة فكيف انتصب وخرج مخرج التنكير ؟ وهذا سؤال من لم يتمهّر في معرفة اللسان العربي ، واعتراض من لم يتصوّر غرض هذه الصناعة تصوّرا صحيحا ، وأنا أعلمك لم ذلك وأشرح لك ما التمسته شرحا يسرو عنك ثوب الحيرة ، ويزيل عنك عارض هذه الشبهة إن شاء اللّه تعالى ، فأقول وباللّه التوفيق : إنّ الوجه في هذا وما أشبهه من صفات اللّه تعالى أن يقال فيه : إنه منادى مخصّص ، وهذه عبارة غير معتادة عند النحويين ، وإنما جرت عادتهم في نحو هذا أن يسمّوه المنادى المشبّه بالمضاف والمنادى الممطول أي المطوّل ، من قولك مطلت الحديدة إذا مددتها ، ومنه اشتقّ المطل في الوعد ، ومعنى

--> ( 579 ) - الشاهد للأعشى في ديوانه ( ص 89 ) ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة ( 6 / 127 ) ، وشرح السبع الطوال ( ص 273 ) .